/ الفَائِدَةُ : (39) /

22/12/2025



بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ ، وصلَّىٰ الله على مُحَمَّد وآله الطَّاهِرِين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعْدَائِهِمْ أَجَمْعَيْن. /عبادة الجوانح/ إِنَّ لكلّ من العقل والقلب والرُّوح والنَّفس وبقيَّة جوانح الإِنسان عبادة ومعاملة خاصَّة بها ، ولكلِّ منها شرائطها وأَجزاؤها وأَركانها ، فلها صلاة وصيام وحج وزكاة وأَمر بالمعرف ونهي عن المنكر وجهاد وتجارة وبيع وإجارة وَهَلُمَّ جَرّاً ، ولصلاتها طهارة وتوجُّه واستقبال وتكبيرة إحرام وركوع وسجود وَهَلُمَّ جَرّاً ؛ فركوعها : الخضوع لا بتمامه ، وسجودها : الخضوع بتمامه. والأَعمال العباديَّة الَّتي تقوم بها ـ هذه الجوانح ـ أَصعب وأَدق من الأَعمال الجوارحيَّة البدنيَّة. وهذه حقائق تكوينيَّة ، وَمِنْ ثَمَّ لا يتخيل السامع حصول توسع مجازي في الاستعمال. نعم ، هذه الاستعمالات لم تُؤْلَف لدى العرف وأَهل اللُّغة . وعليه قس باب المعاملات ؛ فإِنَّ جميع أَبواب الفقه من الطهارة إلى باب الدِّيَّات لها مدرج : عقلي ، وقلبي ، وروحي ، ونفسي . وَمِنْ ثَمَّ البيع النَّفسي ـ مثلاً ـ أَعظم حقيقة ووجوداً من البيع البدني . وهذا ما تُشِير إِلَيْه بيانات الوحي الْمَعْرِفِيَّة ، منها : بيان زيارة الغدير لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ ، عن الإِمام الهادي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما : « ... وأَشهدُ أَنَّك وعمَّك وأَخاك الذين تاجرتم الله بنفوسكم فأنزل الله فيكم : [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ](1) » (2) . فأَنّه برهانٌ وحيانيٌّ دالٌّ على أَنَّ متاجرة الانسان بنفسه حقيقةٌ وقَضِيَّةٌ وَاضِحَةٌ لاَ غُبَارَ عَلَيْهَا ، ولاَ غُمُوضَ وَلاَ الْتِبَاسَ فيهَا ؛ فإِنَّ ذات وحقيقة الإِنسان فوق النَّفس ، وهي سلعة له يبذلها لباريه ( تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ). وعلى هذا قس باب القضاء ، فهناك : قضاء مداينة عقليَّة ؛ وقضاء ومداينة قلبيَّة ؛ وقضاء ومداينة روحيَّة ؛ وقضاء ومداينة نفسيَّة . وهناك : عقوبات جنائية : للعقل ، والقلب ، والرُّوح ، والنَّفس . وإِلى هذا تُشِير بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « مَنْ قارف ذنباً فارقه عقل لا يرجع إليه أبداً »(3) 2 ـ بیان الإِمام الصَّادق صلوات اللّٰـه عليه : « إذا أراد الله أن يزيل من عبد نعمة كان أَوَّلَ ما يغير منه عقله» (4) . ودلالتهما واضحة ؛ فإِنَّهما مُشِيران لعقوبة وحبس دائم لعقل العاصي وإِن تاب واستغفر. وهذه قراءة فقهيَّة بشكل أَعمَق تُقرِّب من العقائد ؛ فإِنَّ نفس فقه الفروع يَطلُّ المُكلَّف من خلاله على فقه الأَخلاق ، وعلى فقه القلوب ، وعلى فقه الرُّوح ، وعلى فقه النُّفوس ، ثُمَّ فقه القلوب وفقه الأَخلاق يَطلَّان المُكلَّف على فقه العقول ، وهو العقائد ، وهو نَفَقٌ مَهُولٌ وخَطِيرٌ جِدّاً . وهذه ممارسة حقيقية. وبالجملة : كلُّ نَفَقٍ من فقه الفروع قناة ودهليز توصل إلى جذر عقائدي ، بعد المرور بالجذور الأَخلاقيَّة والنَّفسانيَّة والرُّوحيَّة والعقليَّة. وَمِنْ ثَمَّ ما فتِئ سائر أَهْل الْبَيْتِ تبعاً لسَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَن يُذَكِّرُوا : أَنَّ كُلَّ بابٍ في فقهِ الفروعِ وراءَهُ فقهٌ أَعظمُ وأَعمق ، فمَنْ يريد أَن يدخل في حضرة الإِسلام يجب عليه تشهد الشهادتين وهو نوع بيع وتسلُّم وعهد اعتقادي وسياسي ، فلاحظ ـ مثلاً ـ قوله تعالى : [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ](5) ، فإِنَّه بيان على أَنَّ الأَموال تُنمى وتُجعل لها فوائد لا تنقطع إلى يوم القيامة ، وتلك هي الصَّدقة والإِحسان مع الباري تعالى ، وهذه حقيقة ولها آثار أَبديَّة في الجنَّة ، بل على صعيد عَالَم : (الدُّنْيَا) و(البرزخ) و(القيامة). هذه أُمُورٌ واقعيَّةٌ وحقيقيَّةٌ ؛ غايته الإِنسان في هذه النشأة لا يبصرها بذهنه القاصر ، مع أَنَّ الشارع المُقدَّس يُعطي للإِنسان آليات الإِبصار إِلى مساحات وعوالم عظيمة وخطيرة ومهولة جِدّاً. وهذا أَحد تفاسير بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « إنما الاعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه »(6) ، ففسحة العمل ورحبته وسعته ليست بالبدن ، بل بالنيَّة ، ومن ثَمَّ كان مدار الثواب ليس على عمل البدن ؛ لأَنَّ مدياته محدودة ، بخلاف عمل النَّفس والرُّوح ، بل الأَوسع من ذلك كلّه عمل القلب والعقل. وعليه : ففقه الفروع بدل أَن يكون فقه عَالَم الأَرضي يصير فقه العوالم العلويَّة. وبالجملة : يجب أَن لا يحاسب الدِّين محاسبات الحكومات والسياسات المُؤقتة والمُقَزَّمة بعَالَم الدُّنْيَا ، بل ينظر إليه وإلى خطط ومشاريع وتدابير الأَنبياء والأوصياء عَلَيْهِم السَّلاَمُ في النشأة الأَرضية : على أَنَّها خطط وتدابير حكومات حضاريَّة إلى آلاف السنين ، وآفاقها وسيعة ومتماديَّة ، لكنَّ الكثير من بني البشر لا يستطيع أَن يقرأ ويفهم سيرهم عَلَيْهِم السَّلاَمُ ومغازيها بهذا الشكل. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التوبة : 111. (2)بحار الانوار ، 97 : 360. (3)المحجة البيضاء ، 8 : 160 . (4) بحار الانوار ، 1 : 94 /ح20. (5) البقرة : 276. (6) بحار الانوار ، 67 : 211 /ح35.امالي الطوسي ، 2 :203